رفعت الولايات المتحدة مؤخرًا العقوبات عن إريتريا، وهو قرار قال تحليل لموقع "أناليتيكا توداي" إنه يرتبط على نطاق واسع بالتوترات الإقليمية، حيث يُقال إن القاهرة لعبت دورًا وسيطًا غير معلن لتعزيز التحالفات التي تضغط على إثيوبيا.

 

يأتي هذا التحول في أعقاب موقف متشدد في ديسمبر 2025، عندما أنهت مصر رسميًا المفاوضات بشأن سد النهضة الإثيوبي. ووصف وزير الخارجية بدر عبدالعاطي السد بأنه "غير شرعي"، وأعلن أن المحادثات وصلت إلى "طريق مسدود"، بعد أكثر من عقد من الدبلوماسية المتعثرة.

 

تصعيد دبلوماسي مصري 

 

وفي حين تُصعّد مصر جهودها الدبلوماسية، أوضح التقرير أن إثيوبيا اتخذت مسارًا أكثر هدوءًا وعملية، مُركّزةً على الإنجازات بدلاً من الخطابات الرنانة. ومضت قدمًا في مشروع سد النهضة، إلى جانب تطوير مشاريع إضافية للطاقة الكهرومائية لضمان استقلالها الطاقي على المدى الطويل.

 

وبالنسبة لمصر، التي تعتمد على النيل في أكثر من 95% من مياهها العذبة، اعتبر التقرير أن هذا يشكل هزيمة استراتيجية دفعت إلى شن حملة عدوانية لإضعاف موقف إثيوبيا الإقليمي من خلال التحالفات والاستعراضات العسكرية والعزلة الدبلوماسية.

 

وانتهجت مصر استراتيجية متعددة الجوانب في منطقة القرن الأفريقي، وقد عززت علاقاتها مع السودان، على الرغم من استمرار الحرب الأهلية. ويتشارك البلدان في المخاوف بشأن تأثير سد النهضة على تدفق المياه، إلا أن موقف السودان كان أكثر دقة نظرًا للفوائد المحتملة مثل السيطرة على الفيضانات والري. 

 

وتواصل المسؤولون المصريون مع نظرائهم السودانيين للحفاظ على جبهة موحدة ضد "الأحادية" الإثيوبية، مع مراعاة ديناميكيات الصراع المعقدة التي قد تمتد إلى الحدود الغربية لإثيوبيا.

 

تحالف مصر مع الصومال

 

ووصف التقرير تحالف مصر مع الصومال بأنه كان ركيزة أكثر وضوحًا، فاستجابةً لمذكرة التفاهم التي أبرمتها إثيوبيا مع أرض الصومال بشأن الوصول إلى موانئ البحر الأحمر، وقّعت مصر اتفاقية دفاعية مع مقديشو عام 2024. وقدّمت القاهرة مساعدات عسكرية، شملت أسلحة وتدريبًا، وأرسلت قوات إلى بعثات الاتحاد الأفريقي في الصومال. 

 

ونظر التقرير إلى هذه الخطوة على أنها تُشكّل تحديًا مباشرًا لسعي إثيوبيا إلى الوصول إلى البحر، وهو مطلب حيوي لاقتصادها المتنامي، وتضع مصر في موقع المدافع عن وحدة الأراضي الصومالية. وقد أضفت القمة الثلاثية التي عُقدت في أكتوبر 2024 مع إريتريا والصومال طابعًا رسميًا على "محور مناهض لإثيوبيا"، حيث تم إنشاء لجنة مشتركة للتعاون العسكري والدبلوماسي والاقتصادي بهدف كبح جماح طموحات أديس أبابا.

 

إريتريا شريك في استراتيجية الحصار

 

وسلط التقرير الضوء على إريتريا كشريك رئيس في استراتيجية الحصار هذه، إذ لطالما كانت متحالفة مع المصالح المصرية، وتربطها بإثيوبيا توترات تاريخية. وقد عززت مصر التعاون العسكري والمينائي مع أسمرة، بما في ذلك تحديث المرافق لتعزيز نفوذها على البحر الأحمر. 

 

ويرى المحللون أن هذه التحركات تُرسّخ عمقًا استراتيجيًا في مواجهة إثيوبيا، مما قد يُعقّد أي جهود إثيوبية لتحقيق مزيد من الوصول البحري أو الهيمنة الإقليمية.

 

ولم يقتصر نفوذ مصر على جيرانها المباشرين، فقد عززت علاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى، مستفيدةً من المصالح المشتركة في أمن البحر الأحمر. وتشير التقارير إلى الجهود المصرية الرامية إلى تيسير أو دعم المبادرات التي تخفف من عزلة إريتريا الدولية.

 

ورأى التقرير أن هذا النشاط المكثف يعكس تحول مصر الأوسع نحو دبلوماسية أفريقية حازمة. ففي ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية، لم تعد القاهرة تكتفي بالمحادثات متعددة الأطراف التي يتوسط فيها الاتحاد الأفريقي. وبدلاً من ذلك، تعمل على بناء تحالف يضم دولاً متخوفة من النفوذ الإثيوبي، والصومال بسبب النزاعات الإقليمية، وإريتريا بسبب قضايا الحدود والنفوذ، والسودان بسبب المياه والاستقرار، وشركاء الخليج بسبب الأمن البحري. كما تعزز اتفاقيات الموانئ مع إريتريا وجيبوتي الوجود العسكري المصري في المنطقة.

 

ورفضت إثيوبيا هذه المناورات، واصفةً إياها بأنها تكتيكات "تعود إلى الحقبة الاستعمارية" تهدف إلى زعزعة الاستقرار، مؤكدةً على حقها السيادي في استغلال موارد النيل لتوليد الطاقة الكهرومائية ودعم النمو. 

 

وتشير أديس أبابا إلى فوائد سد النهضة في تعزيز صادرات الطاقة الإقليمية والحد من الفيضانات، بينما تتهم مصر بتأجيج عدم الاستقرار للحفاظ على هيمنتها المائية التاريخية التي أُرسيت بموجب اتفاقيات الحقبة الاستعمارية التي لم تعترف بها إثيوبيا قط.

 

وفي الوقت نفسه، تعمل أديس أبابا على تعزيز خطوط التجارة الحيوية، وتعميق العلاقات مع موانئ جيبوتي، وتوسيع نطاق الوصول إلى ميناء بربرة كجزء من استراتيجية تنويع أوسع. وعلى الصعيد الدبلوماسي، تسعى أيضًا إلى تخفيف حدة التوترات وإعادة بناء التعاون مع الصومال، مما يشير إلى تفضيلها للاستقرار الإقليمي على المواجهة.

 

واقع جيوسياسي قاسٍ

 

وفي هذا الإطار، رأى التقرير أن استراتيجية مصر في مرحلة ما بعد المفاوضات تُبرز واقعًا جيوسياسيًا قاسيًا. ويبقى من غير المؤكد ما إذا كانت حملة العزلة هذه ستُسفر عن تنازلات بشأن سد النهضة أم أنها ستزيد من حدة الانقسامات.

 

وتشير مرونة إثيوبيا، كدولة مكتظة بالسكان وغنية بالموارد، إلى أنها لن تستسلم بسهولة. وفي الوقت الراهن، تراقب المنطقة مصر وهي تتنقل بين مواقع مختلفة، وتعقد شراكات للحفاظ على امتيازات الحقبة الاستعمارية، بينما تعزز إثيوبيا مكاسبها المتعلقة بالسد، كما يرى التقرير.

 

وأوضح أن السنوات القادمة ستختبر ما إذا كانت هذه التحالفات ستُحقق توازنًا جديدًا أم ستُؤجج المزيد من التصعيد في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا أهميةً من الناحية الاستراتيجية، حيث تشابكت قضايا الأمن المائي والسيادة والوصول إلى البحر في لعبة معقدة تبدو فيها التسوية بعيدة المنال.

https://analyticatoday.com/egypts-diplomatic-offensive-isolating-ethiopia-after-the-collapse-of-gerd-negotiations/